(8)
فاصل ثم نواصل
من باب الشيء بالشيء يذكر
فهناك بعض النقاط المهمة المتعلقة بالأصل
(لا تقدم بين يدي الله و رسوله صلى الله عليه و سلم)
نريد أن تحدث معاً فيها لنتفق عليها ثم نواصل سيرنا إن شاء الله
النقطة الأولى أود أن أسألكم سؤالاً
ما هو مصدر تلقي الدين بالنسبة إليك؟
هل كل من لبس جبة و عمامة و ظهر في القنوات الفضائية .. و بدأ بـ(الحمد لله) .. و ختم بـ(و الله أعلم) .. يكون مفتياً؟!!
هل كل أحد يصلح أن يكون مصدراً لتلقي الدين؟!
تجد بعض الناس يتتبع الرخص و يفرح بمن يفتيه بما يوافق هواه بل بعضهم إذا سمع فتوى توافق هواه مدح المفتي قائلاً ((هذا هو الشيخ العالم .. هذا هو الشيخ الذي يفهم الواقع و يعيش جراح المسلمين))
يقول هذا و إن كانت القتوى تخالف الكتاب و السنة
(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)
(ص:26)
اعلم أخي – هداني الله و إياك – أنك ستحاسب وحدك .. ستسأل وحدك (مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)
(القصص:65)
لن يسألك عن الشيخ فلان و لا فلان .. و إنما عن اتباع الكتاب و السنة .. فقط
احذر أخي من أن تكون ممن يتبعون الأئمة المضلين ... و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم(إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)
أخي الجندي لا تجعل دينك لكل أحد يوجهه كيف شاء .. فالمفتي لابد أن يتوفر فيه شرطان: العلم و الورع
أما العلم فهو الاستدلال الصحيح بنصوص الكتاب و السنة
و الورع هو الخوف من الله تعالى في الفتوى و عدم الإغترار بالمال أو الجاه بل يقول الحق و لا يخاف في الله لومة لائم
ــــــــــ
النقطة الثانية
هناك بعض الشباب يقدم الأراء و الأقيسة الفاسدة على النصوص الصريحة الواضحة
و هذا باب عظيم من أبواب الشر ,و سوء أدب مع الله عز و جل و مع رسوله صلى الله عليه و سلم
لأنهم يعطلون بذلك ما يشاءون من نصوص الشريعة بعقولهم و أفكارهم
فإن كل قياس و إن كان حسناً من حيث النظر إذا صح الحديث بخلافه فهو مردود بالقادح المسمى فساد الإعتبار ,و إنما يلجأ العلماء للقياس عند عدم النص ,فهو كأكل الميتة للمضطر
و كما يقولون إذا جاء الأثر بطل النظر
و إذا طلع الصباح أغنى عن المصباح
و كما أخبرتكم سالفاً
يجب علينا أن نبدأ بالشرع ثم نخضع العقل له ,نقدم النص الشرعي على النظر العقلي
ـــــــــ
النقطة الثالثة و الأخيرة إن شاء الله
يقول البعض لا إنكار في الخلافيات
فهذا إن كانوا يقصدون الخلاف السائغ بين العلماء
و فيه كل عالم يكون لديه أدلته الصحيحة من الكتاب و السنة
أو يكون أمراً لا دليل صريح فيه فذهب العلماء كل باجتهاده و قياسه – لاحظ أني قلت علماء فلا اجتهاد و لا قياس يُأخذ إلا من علمائنا المحققين-
فهذا حق لا إنكار فيه
أما لو كانوا يقصدون الخلاف الغير سائغ الذي يستدل فيه بعضهم بالأدلة الصحيحة الصريحة و المخالف له يخالفه بقياس فاسد او باتباع لرأي او هوى و ليس معه دليل صريح على قوله
كمسألة الموسيقى و التصوير و اللحية و مصافحة النساء و السفر بغير محرم فهذه مسائل ليست اجتهادية
و هذا الخلاف الغير سائغ الإنكار فيه واجب
و اعلموا اخوتي في الله أن الواجب على كل مسلم إذا بلغه الحكم من الكتاب و السنة أن يقول به و يذهب إليه
و لا يجوز ان نعارضه بخطأ مجتهد ,فإذا اتبعت زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله
فتمييع القضايا بهذه الطريقة يعود على جزء كبير من الشريعة بالهدم
و تصويب كل قول قاله عالم أو مال إليه فقيه ليس بصحيح ,فهذه الاقوال قد تكون متعارضة فكيف يصح القول و نقيضه؟!
فالله عز و جل ما تعبدنا باتباع كل عالم و لكنه تعبدنا باتباع رسوله صلى الله عليه و سلم فقال تعالى(وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )
(الأعراف:158)
فكل من دلنا على حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و أوقفنا على دليله من الكتاب و السنة فنحن معه
ــــ
إذاً إخوتاه فلنتقي الله في أمور ديننا و لا نتبع رخص و زلات العلماء
ــ
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
ــ
وَيُوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
(9)
بدأنا معاً الطريق بفضل من الله .. توبة .. استعانة بالله .. إخلاص و اتباع لهدي النبي صلى الله عليه و سلم حتى يُقبل عملنا
صبرتم معي – جزاكم الله خيراً – و الآن نريد أن نخطو أول خطوة في منهجنا العملي التربوي
و لكن هل ستسير وحدك؟
لما أراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يهاجر اصطحب رجلين .. رجلين فقط .. دليلاً و صاحباً
و أنت يا جندي لابد لك من دليل و صاحب في هجرتك إلى الله عز و جل
الواحد منا يسهل عليه إخلاف الوعد مع نفسه ,و لكنه يصعب عليه أن يخلفه مع غيره ,و يصعب عليه أيضاً اكتشاف جوانب ضعفه بمفرده
و لذا كانت أهمية الدليل و الصاحب في الطريق
فأما الدليل فهو الشيخ المربي .. يدل و ينصح .. يُهذّب و يتابع .. ليس دليلك على الطريق فقط ,إنما هو دليلك على نفسك ماذا تصلح و كيف تصلح .. يصحبك في سيرك و يربيك بالمعاشرة
قالوا: و الله لولا المربي ما عرفت ربي
لعلك تقول ولكن كيف أصِل إلى هذا الشيخ المربي!
أقول لك لا يشترط أن يكون شيخاً مشهوراً ,و إن لم تجد شيخاً
فابحث عن أخ سبقك في طريق الإلتزام ترتضي دينه و سمعته و علمه و منهجه لتستشيره في أمورك و تلتزم نصحه
قل لي: لن أجد .. و أنا أقول لك: سوف تجد
قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
)العنكبوت:69)
و هذه أيضاً من أصول و قواعد طريقنا إلى الله .. أنه لا يعطى منحة السير فيه إلا من حرص و بذل و ضحى .. ابحث و اصدق و احرص و اصبر تعطَ .. تلك أصول السير أخي الجندي
ـــــــــــــــــــ
و أما الصاحب فهو رفيقك في الطريق يذكرك إذا نسيت ,يأخذ بيدك إذا وقعت , تتسابقون معاً إلى الخيرات
لهذا كان هناك شرط لابد من توافره في هذا الرفيق
يكون مثلك حريص على طاعة الله ,يريد الوصول إلى الله
و لا تشترط في صاحبك الكمال
قال الفضيل بن عياض: من طلب أخاً بلا عيب ؛صار بلا أخ
و قال بعض السلف:" لا يزهدنك في رجل حَمِدْت سيرته, و ارتضيت و تيرته ,و عرفت فضله ,و بَطَنْت عقله,عيب خفي ,تحيط به كثرة فضائله او ذنب صغير تستغفر له قوة و سائله"
و قد يكون هذا الصاحب زوجتك أو والدك أو شقيقك او شقيقتك حتى و إن كان ابنك أو بنتك .. بل عندها يصير الأمر أقوى .. لأن المعاشرة و طول الصحبة من لوازم السير في طريقنا
و لماذا لا يكون هذا الصاحب رفقة؟!
مجموعة تأنس بها ,لتذهب عنك وحشة التفرد
و تكونون (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)
(الفتح:29)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسناً و الآن بقي لدي كلمة أخيرة قبل أول خطوة
عليك بالصبر أخي
فلا تظن أنك ستجد قرة العين في الصلاة من أول مرة أو تستشعر حلاوة و لذة القيام في البداية أو تجد الدموع و الخشوع عند تلاوة القرآن منذ أول آية , كلا و لا فالأمر يحتاج إلى صبر و صدق و معاناة .. هذه هي طبيعة الطريق
قال بعض السلف:" من أراد أن تواتيه نفسه على الخير عفواً فسينتظر طويلاً ,بل لابد من حمل النفس على الخير قهراً"
أخي الجندي .. جاهد نفسك لعمل الخير ,جاهد نفسك لتحقيق الإخلاص ,جاهد نفسك لتحسين العمل ,جاهد نفسك للارتفاع بمستوى إيمانك ,جاهد نفسك لتكون من المتقين
و نصيحة أخرى : الإيمان يتعرض للحسد فاحذر!
اكتم عملك و أسر بقرباتك و لا تحدث بطاعاتك تسلم
غير أن إظهار العمل لا يخلو من آفات كالرياء و الفخر و السمعة
و لكن إن كنت ممن يُقتدى بهم و رأيت مصلحة راجحة لإظهار عملك كأن يكون سبباً لهداية أحدهم او سيقلدك غيرك فيه و يكون في ميزان حسناتك , و كان بإمكانك ضبط نيتك فافعل و ادعو الله لنفسك بالإخلاص و الثبات
أخي الجندي اعلم – وفقني الله و إياك – أنك تتسابق في مضمار فيه ألف متسابق لن يصل إلا واحداً
سيدخل النار من كل ألف 999- كما أفاد الحديث الذي رواه البخاري و مسلم- فابذل كل جهدك و طاقتك حتى تكون هذا الواحد الذي سيدخل الجنة و يعتق الله رقبتك في هذا الشهر المبارك من النار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واجبك العملي أن تبحث عن مربي و صاحب في طريقك
و لا تنسى الواجبات الأخرى
محاسبة نفسك على الخطة التي تسير عليها في رمضان و قد كنت ذكرت لك أقل ما يجب عليك فعله في أحد الرسالات السابقة
تحري أوقات الإجابة و الإكثار من الدعاء فيها أن يهدينا الله و يعتق رقابنا
الإستغفار وقت السحر
التقرب إلى الله بعمل طاعة جديدة أو ترك معصية كنا مصرين عليها